محمد بن زكريا الرازي

10

الحاوي في الطب

وكان منها الدوالي ، واندفع إلى الجلد فكان منها الجذام ؛ أو اندفع إلى عضو ورسخ فيه فكان منه السرطان . ورأيت العروق التي في ذلك العضو ممتلئة من الدم الكمد الغليظ ، وكلما كان الدم أغلظ وأشد سوادا فالعلة أردى ؛ وجملة شكل هذا الورم كثيرا كشكل السرطان ، وذلك أنه كما أن أرجل ذلك الحيوان عن جنبي بدنه كذلك تكون عن جنبي هذا الورم عروق كثيرة متواترة حتى تكون كأنها أرجل ؛ وهذه العلة في بدئها تبرأ ، فأما إذا صار لورمها عظم ذو قدر فما من أحد وصل إلى علاجها إلا بعلاج الحديد ، والغرض فيه بالحديد استئصاله بأسره كما يدور إلى أن يبلغ الموضع الصحيح ، إلا أنه إن كان في الموضع الذي فيه عروق غلاظ ولا سيما إذا كانت ضوارب فلا يؤمن النزف على المكان ، ومتى شددنا تلك العروق ألم بمشاركتها ما يتصل بها من الأعضاء النفيسة ، ومتى أردت أن تكوي الموضع كان في ذلك خطر ليس باليسير إذا كان الكي يقرب من الأعضاء النفيسة ، فأما في ابتدائها عالجناها وبرئت ولا سيما إذا لم يكن الخلط مفرط الغلظ فإنه إذا كان كذلك برأ بالأدوية المسهلة بسهولة وبه يكون برؤه ، وهذه هي الأدوية التي تستفرغ الأخلاط السوداوية ، وينبغي أن تواتره حتى يعود العضو إلى حالته الطبيعية عودا صحيحا ويكون مع ذلك التدبير الذي يولد دما محمودا ، فإن التدبير في هذه العلة عظيم الخطر ؛ وابدأ بالفصد وإدرار الطمث وضع على موضع العلة ماء عنب الثعلب فإنه من أبلغ دواء في مثل هذه العلل ، فإن لم يتهيأ ذلك فضع عليه مرهم التوتيا الذي يعالج به السرطان المتقرح ، واجعل أكثر غذائه كشك الشعير ، ومن البقول الخباز والبقلة الحمقاء والبقلة اليمانية والقرع ولحوم الطير الأجامية والسمك الصخري . إنطيلش ، قال : هذا الورم يكون مستديرا وحواليه عروق ممتلئة غائصة كأنها أرجل له ، والهائج منه يكون وجعه بوخز ونخس ، والخاصة التي لا تفارق السرطان أن يكون إذا جسسته طويلا أحسست بحرارة تصعد منه إلى يدك ، والعروق التي حواليه وارمة منتفخة ؛ وأما المتقرح فإن تقرحه وتآكله مائل إلى داخل ، وصديده سائل ردي ، وله شفاه حمر غلاظ ، فإنه إن كان متثبتا غائرا وفي عضو لا يمكن قطع أصله فلا تعرض له إلا بتسكين الوجع ؛ ومتى كان في طرف الأنف وبعض الأصابع والثدي أو كان في عضو يحتمل أن يقرض حتى لا يبقى من أصله شيء فاقطعه من أصله البتة حتى لا يبقى منه شيء ، وسل عروقه واكوه ثم عالجه ، وإلا فلا تعرض له . ابن سرابيون : السرطان يحدث في الأمر الأكثر في اللحم الرخو كالثدي ونحوه لأن نزول مادته لغلظها لا تستقر إلا فيه ، وإذا انصبت إليه وحصلت فيه عسر جريها منه . قال : وابدأ في علاجها في الأول بالاستفراغ ، ويجب أن يكون استفراغ صاحب السرطان دائما قليلا قليلا بماء الجبن والأفيثمون ، ولا تسهل مرة البتة بل يدام عليه بالإسهال بهذه ، قال : ويسقى أربعة مثاقيل أفيثمون مع ماء الجبن واسقه ذلك مرات كثيرة ، وإذا استفرغت البدن حينئذ ضع عليها ما لا يلذع ولا يهيج ولا تبرده ويطفئ مع تحليل لين فإن هذا ملاكه ، وإن